Monday, 10 July 2017

قضية رشيد بوجدرة قناة النهار هل يستحق برنامجٌ فكاهيٌّ كلَّ هذهِ الضجَّة

مقالتي في صحيفة "رأي اليوم" اللندنية بعنوان:

"قضية رشيد بوجدرة.. هل يستحق برنامجٌ فكاهيٌّ كلَّ هذهِ الضجَّة؟"

. وفيها ردّ موضوعي على الروائي واسيني الأعرج Waciny Laredj وإشارة إلى الكاتب رفيق جلول راجيا أن يتقبّل مؤيدو رشيد بوجدرة وجهة نظري ككاتب ومثقف، فاختلاف الرأي لا يفسد للود قضية

رابط الصفحة:
http://www.raialyoum.com/?p=706293

قضية رشيد بوجدرة.. هل يستحق برنامجٌ فكاهيٌّ كلَّ هذهِ الضجَّة؟

تعدّدت عناوين الصحف التي تناولت موضوع الكمين الذي وقع فيه الروائي الجزائري رشيد بوجدرة يوم 31 أيار/مايو الماضي حينما نزل ضيفًا على برنامج الكاميرا الخفية الذي تبثّه قناة النهار.
يكفي أن نضع اسم "بوجدرة" في محركات الشبكة العنكبوتية لتعود النتائج بعناوين ضخمة مثيرة مثل: "كاميرا خفية ترهب الكاتب رشيد بوجدرة وتتهمه بالإلحاد" و"مقلب ضد الروائي الجزائري رشيد بوجدرة يؤجج الاحتجاجات" و"إهانة رشيد بوجدرة في وضح النهار"...

وإن اختلفت العناوين في مبناها إلاَّ أنها اشتركت في معناها وسيرها في اتجاه واحد، مناصرة الروائي، ساخطة على قناة التلفزيون إلى حد قصفها بأبشع الأوصاف من عيار "داعشي" و "إجرامي" على منوال عنوان مقال مواطنه الروائي واسيني الأعرج: "الروائي رشيد بوجدرة… مقلب بطعم داعشي" وقال فيه: "لا يعقل أن يهان كاتب كبير من عيار رشيد بوجدرة بطريقة متخلفة وبدائية، بل وداعشية، لا تراعي أي شيء في الضيف، لا قيمته، ولا سنه، ولا سلطته الثقافية الكبيرة، في حلقة يفترض أنها ترفيهية، وأي ترفيه؟ بل تدعو إلى الغثيان. ما هذه الرغبات الإجرامية المخزنة في أعماق الناس. كدت أصرخ... فقد وضع رشيد بوجدرة على حافة مساءلة تكاد تكون إجرامية بل وداعشية." (القدس العربي 7 حزيران/يونيو 2017).

ولم تقتصر هذه الحملة على الصحف، فقد أتت نيرانُها على وسائل التواصل الاجتماعي، تغذي لهيبَها صفحاتٌ أدبية، أصدرت أحداها بيانا منددا وقّعه ما يقارب 390 شخصا. ورغم الضجة، لم يشارك في الوقفة الاحتجاجية ساعةَ الجدّ إلاَّ عشرات الأنصار من بين عشرات الملايين نسمة!

صدق واسيني الأعرج لما قال: "أجزم أن الذين حاوروه في حصة رانا حكمناك، لم يقرؤوا ولا كتابا واحدا من كتبه، ولا يعرفون عنه إلا حادثة الإلحاد." ففي مجتمع معروف بعزوفه عن القراءة وكثرة كُتَّابه وإغراق سوقه بالمؤلفات، لا ريب أنّ أبناء الأجيال الجديدة يتطلّعون إلى مطالعة ما كان جديداً في الأسواق، مناسباً للتفكير والأذواق، وهو شيء منطقي يؤكده الإقبال على المؤلفات الحديثة في المعارض، ويعترف جلُّ الشباب في مواقع التواصل بأنه لم يقرأ له. ورجال الكاميرا الخفية ليسوا نقادا وليسوا مطالبين بالنظر إلى قيمة الضيف أو سلطته الثقافية أو آثاره الأدبية لأجل تسجيل برنامج ترفيهي قصير. فكل ما يحتاجونه معلومات عامة تخص حياة الضيف وما يلفت النظر في شخصيته ونقاط ضعفه لمحاولة إثارته. ومعلوم أن بوجدرة قد أثار الانتباه بإعلانه إلحاده أمام شاشات التلفزيون بمحض إرادته، ليعود بعد ذلك ويغيّر رأيه ويؤكد إيمانه في تناقض مبين، مما أثار الدهشة والسخرية في أوساط الطبقة المثقفة والمجتمع، وهو بلا ريب ما استغله رجال الكاميرا الخفية.
العجيب في الأمر أيضاً أنّ الكمين وقع في استوديو القناة وأمام شاشات الكاميرا وفي شهر رمضان المعروف منذ سنوات ببرامج الكاميرا الخفية التي تحظى بمتابعة واسعة. فكيف يصدق بوجدرة أنّ رجال أمن حقيقيين يختارون فجأة اقتحام مقر تلفزيون في أثناء تسجيل حصة أدبية لأجله؟ وما الذي منعهم من فعل ذلك مباشرة بعد إعلانه إلحاده أو خلال الأشهر الماضية بينا كان حرّاً طليقاً في البيت والشارع؟ وحتى عندما انفجر مقدِّم البرنامج ضاحكاً أمامه، لم ينتبه بعد أنّه مجرد كاميرا خفية.

وحتى إذا صدّق هذا المقلب، لماذا لم يحاول الخروج منه منذ البداية بأقلّ الأضرار؟ لماذا انجرَّ معه وراح يردّ على أسئلة استفزازية ويردّد عبارات ساخرة؟ ولمَ تجاوب وهؤلاء الأشخاص حتى ضاق بهم ذرعاً ثم غادر الأستوديو أخيراً؟ ألم تكن أمامه خيارات مثل الامتناع عن الرد والإصرار على أن يتم التحقيق في قسم شرطة وليس في مكان عام وربما طلب محام؟ ألا يحقّ للمتهم الصمت وعدم التعليق؟ وهل رأينا أيَّ اعتداء جسدي أو تهديدا بالعواقب من الرجال إن امتنع عن الرد؟ ...

إننا إذا نظرنا إلى فكرة الكاميرا الخفية وجدناها "تعتمد على إظهار طبيعة الأشخاص، كما هي.. بحيث يظهر الإنسان كما هو، دون تعديلات تجميلية. والإفادة من المفاجأة تكون الضامن لظهور الطبيعة الأصلية لدى الشخص الذي وقع في كمين الكاميرا الخفية. وتتفاوت مفاجأة الأشخاص هنا أو هناك، فأحيانا تؤدي إلى الضحك، وأحيانا تؤدي إلى اكتساب معلومة نادرة، إنما، وللأسف، تؤدي في بعض الأحيان إلى تحويل الأشخاص إلى ضحايا بكل معنى الكلمة! والسؤال ليس إذا وافق الأشخاص على عرض الفيلم الذي ظهروا فيه كضحايا، بل السؤال: من يحق له تعريض حياة الأشخاص إلى مثل هذه التجارب الحادة والتي قد يؤدي بعضها إلى الموت؟" (صحيفة المجلة: 14 تموز/يوليو 2013)

وكمائن الكاميرا الخفية معروفة عالميا وتُرتكب فيها أحياناً مخالفات. تذكر صحيفة "المجلة" اللندنية الكمين الذي وقع فيه المطرب المصري خالد عجاج: "لولا تدخل العناية الإلهية لأصيب عجاج بجلطة قلبية.. فقد قام جلال بإيقاع عجاج في حيلة للكاميرا الخفية في إحدى مقابر الفرعونيين الأثرية، حيث تم إقفال الباب فجأة على عجاج، ومن ثم إطلاق الأفاعي والثعابين عليه، ثم بعد فتح الباب وهروب المطرب المسكين، وقع في المحظور الرهيب الذي لا يمكن لآدمي احتماله، وهو خروج مومياء فرعونية من قبرها وهجومها على عجاج الذي كان يصيح مستغيثا: قلبي سيتوقف.. قلبي سيتوقف! وكان بعد انكشاف الملعوب عاجزا عن النطق وواضعا يده على قلبه"!

وها هي صحيفة (فرانس أنفو) الفرنسية تثير مسألة الترويع في تقرير بتاريخ 20 نيسان/أبريل 2015 بعنوان. "البرازيل: كاميرا خفية تصدم مسافري قطار النفق." وفيها يفاجأ المسافرون بتعطل القطار تحت الأرض وفي الظلام الدامس ليشاهدوا بعد ذلك شبحا يبث الفزع في نفوسهم!
ليس مَن ينكر أنّ رجال قناة النهار قد ارتكبوا تجاوزات بإثارة موضوع الدين والتخويف، لكنّ ذلك وقع في برنامج فكاهي معروف عالميا بارتكاب تجاوزات في حق البشر، ولم يقصد بالضرورة إهانته. وقد أكّد ذلك المشرف على البرنامج في نهاية التسجيل عندما اعتذر إلى بوجدرة مؤكدا أنها مجرد كاميرا خفية. فهل نفرّق حقا بين الجدّ والمزاح؟

ما أكثر الملحدين في المجتمعات الغربية، ولا نرى أحدا يشهّر بذلك لأنّ الأمر شخصي ولا يخصّ المجتمع. فإن تعرّض أحدٌ لإهانةٍ ما، يحقّ له اللجوء إلى العدالة مثلما أشار إلى ذلك مواطنه الكاتب رفيق جلول: "إن كان الكاتب رشيد بوجدرة ضحية فخ عمل له كما يقال فإن هذه العريضة لا نفع منها بتات فهو المتضرر الوحيد في نظر العدالة ومن حقه رفع قضية."

ما يلفت الانتباه في قضية بوجدرة أيضا هو مشاهدة أنصاره المسألة من زاوية واحدة. فقد شاهدوا تجاوزات رجال القناة، لكنهم لم يشاهدوا تجاوزاته عندما راح يتلفظ بكلمات فاحشة لا تليق بأي أديب أخفتها عنا القناة. وماذا لو كان البرنامج على المباشر يشاهده ملايين البشر؟ وقد قام الروائي أيضاً بدفع الرجال عند مغادرته وهو ما يُعتبر عنفا جسديا غير مقبول ولا يمكن تبريره بالرد على استفزاز أو إهانة شفوية. وإن اعتذرت إليه القناة فإنه لم يعتذر إليها ولا إلى الجماهير على تلك الألفاظ والحركات.

لقد صدقت صحيفة (العربي الجديد) عندما قالت في عددها الصادر 1 حزيران / يونيو: "بسبب كاتب معروف... برنامج كاميرا خفية يثير جدلاً حادًا في الجزائر." فلو حدث ما حدث لشخص بسيط وليس لأديب في وزن بوجدرة، هل كنا شاهدنا مثل هذه الضجة؟ ولمَ لا يشعر هؤلاء الأنصار بالغثيان وهم يشاهدون تصرفات عنصرية من بني جلدتهم في حق أفارقة سود أو عمال صينيين بالقرب من بيوتهم، تتردد في حقهم أبشع النكت العنصرية؟ أوليس ذلك إهانة وانتهاك لحقوق البشر؟ ولمَ يا ترى لم تَعْلُ هذه الأصوات معبِّرة عن صدمتها يوم تعرّض 5 ملحدين من منظمة "بلا حدود" للاضطهاد بالقاهرة (صحيفة اليوم السابع 1 أيار/مايو 2014)؟ ولمَ لم يدعُ هؤلاء إلى احتجاجات وهم يشاهدون عشرات الأقباط يموتون في الكنائس؟ ولمَ لا يندّد هؤلاء وهم يتابعون الاعتداءات المتكررة على الكنائس والمعابد والمساجد مثل كنيسة سانت إتيان بفرنسا 2016 ومسجد لندن هنا قبل أيام فقط؟ ولمَ لم يصرخوا غيظاً وهم يشاهدون جثة طفل سوري بريء تتقاذفها الأمواج لم ير في حياته القصيرة غير الدمار والرعب؟ أوليس هؤلاء بشرا أيضاً وإن لم يكن لهم شأن في الأدب؟

فإني في ظل هذا التناقض، لا أجد بدا من التساؤل: ترى متى ندرك معا أسمى معاني الإنسانية الطاهرة التي تتعدى ميولنا ورغباتنا وحدودنا الإقليمية وطبقاتنا الاجتماعية؟ لقد آن الأوان لنؤسّس معا لإنسانية حقيقية ليست ثيابا نخيطه على مقاسنا.. إنسانية لا تميز بين أديب وغير أديب، ولا بين كبير وصغير، ولا بين رجل وامرأة، ولا بين قريب وغريب، ولا بين متدين وملحد.. إنسانية مقياسها المنطق وليس الذات.. إنسانية تنظر إلى نفوس البشر ومشاعرهم وليس إلى أشكالهم ومراكزهم.. وتراعي البشر لأنهم بشر.

ومتى يا ترى نوطّن أنفسنا على مشاهدة العالم من زوايا أخرى والإصغاء إلى الآخر؟.. لأنه:
"فِي كُلِّ مَوْضُوعٍ قَوْلاَن،
وفِي كُلِّ قَضِيَّةٍ رَأْيَان،
وفِي كُلِّ قِصَّةٍ وَجْهَان،
وَلَيْسَ فِي الكَوْنِ لَوْنٌ بَلْ ألْوَان،
فالحَقِيقَةُ شَيْءٌ لاَ يَمْلِكُهُ الإنْسَان (رواية مَا وَرَاءَ الأُفُقِ الأزْرَق)..

ملاحظة\
(أرجو أن يتقبّل أنصار رشيد بوجدرة والضجة الإعلامية وجهة نظري كمواطن وكاتب ومثقف جزائري بعيدا عن لغة التعصب والتهديد.. فقد تعرضت للتهديد لمجرد الرد على قامة أدبية ردا موضوعيا والعالم يشهد أنه ليس لي أعداء عدا نقدي المشهد الأدبي.. ليس كل من يخالف هؤلاء الرأي خصما.. لابد من تقبل رأي الآخر والتسامح)

مولود بن زادي روائي جزائري - بريطانيا

Sunday, 9 July 2017

مقالة الروائي سعيد الخطيبي عن رشيد بوجدرة

(. هذه مقالة الروائي والناقد الجزائري سعيد خطيبي  وفيها تقييم يبدو في غاية الموضوعية للروائي رشيد بوجدرة.

. وسأنشر في الساعات القادمة مقالتي في موضوع "رشيد بوجدرة - الكاميرا الخفية" الذي أثار جدلا كبيرا وأسال حبرا كثيرا راجيا أن يتقبل مؤيدوه وجهة نظري كمثقف وكاتب بعيدا عن التعصب والتهديد، فحتى إن اختلفت وجات نظرنا فنحن نشترك في إيماننا بالإنسانية والمحبة وحق الزميل بوجدرة في معتقده والعالم شاهد على ذلك، واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية وكل الجداول تصب في خدمة الأدب والثقافة ورسالة التسامح☺️)

مقال الأديب سعيد خطيبي:

رشيد بوجدرة: الحلزون العنيد لم يخرج من قوقعته
سعيد خطيبي

بقلم الروائي والناقد الجزائري Saïd Khatibi

الجزائر: خمسون عاماً مرّت ورشيد بوجدرة لم يتوقّف عن الكتابة، ولا عن الخطابة وإثارة المعارك، والتحرّش بقضايا الرّاهن والالتزام بمواقف، متطرّفة أحياناً، قد نتفّق معه في بعضها، وكثيراً ما نختلف معه في أخرى.

قبل عشرين عاماً، كان رشيد بوجدرة، يعتبر ترمومتر الأدب الجزائري، ننظر للبلد من كتاباته ومن تصريحاته، كان بوصلة لفهم توجّهات تاريخ مُعاصر، لكن، في السّنوات الأخيرة، «انقلب» الرّجل على نفسه، أو هكذا بات يظهر لنا، طلّق صاحب «تطليق» جزءاً مهماً من قناعاته القديمة، نزع عن جلده عباءة اليساري الماركسي وركب سفينة النّظام، تحوّلت خطابته إلى ما يُشبه لغة مجترّة، مكرّرة، لا تحمل جديداً، تماماً مثلما فعل مثقفون وكتّاب آخرون من جيله، صار مُهادناً ومسالماً، حافظ على اسمه الأدبي كواحد من المجدّدين في الرّواية المغاربية، لكنه فقد بعضاً من بريقه ومن جمهوره، ففي آخر ندوة له، في الجزائر العاصمة، الشّهر الماضي، ورغم أنّها نُظّمت وسط المدينة، بمناسبة مرور خمسين عاماً على تجربته الأدبية، كان الحضور هزيلاً، قاعة صغيرة فشل في ملئها، شاركه فيها بعض الصّحافيين وبعض الأصدقاء القدامى، وغاب عنها القراء، ويبدو أن رشيد بوجدرة أدرك الوضع، فهم – متأخراً – ما وصل إليه اليوم، بأنه خسر مكانته كصانع للحدث الأدبي، وأن كثيرين ممن كانوا حوله تفرّقوا، شعروا بالخيبة، بأن الكاتب المثير للجدل، النّاقد لكلّ ما يدور حوله، خذلهم!

هدم التابوهات ثم هدم الذّات

منذ باكورته الرّوائية «تطليق» (1969)، التي جاءت بعد مجموعة شعرية أولى «من أجل غلق نوافذ الحلم»، كرّس رشيد بوجدرة نفسه كاسم مجدّد في الرّواية، لم يسقط في وهم الكتابات «البطولية» التي ذهب إليها بعض مجايليه، راهن على السّير عكس المُعتاد، في هدم تابوهين مهمّين: الجنس والأبّ، عرّى المجتمع الذّكوري من الدّاخل، تماهى مع أوديب.

وتوالت بعدها روايات أخرى لا تقلّ أهمية عن الأولى: «الإنكار»، «ضربة جزاء»، «ليليات امرأة آرق»، وآخر أعماله كان «ربيع» (2014)، أثبت فهماً حديثاً للتّراث العربي، وظفّه في نصوصه، وتناصّ مع أدباء غربيين ولاتينيين (حاول أن يتقاطع مع غارسيا ماركيز في رواية «ألف عام وعام من الحنين» 1979). في أكثر من خمسة وعشرين كتابا، بين رواية وشعر ومسرح ودراسة، انتقى بوجدرة لنفسه مكاناً قصياً، أوجد لذاته كتابة مُخالفة للسّائد، لغة صادمة ومستفزّة، شفافة، مُباشرة ولا تختبأ خلف الرّمزيات، كان واعياً بأن الكتابة مُخاطرة، وأن نصوصه تُحسب عليه، غامر في كسر مُسلمات، وحين اختلف مع كتّاب جزائريين، يكتبون بالعربية، أوائل الثّمانينيات، أصدر رواية له بالعربية «التّفكّك»، وأعلن حرباً – لم تنته – مع الرّوائي الطّاهر وطار، فعل ما لم يفعله أيّ واحد آخر من الكتّاب الفرنكفونيين، في الجزائر، حيث راح لسنوات، يُزاوج بين الكتابة بالعربية والفرنسية، في نوع من التّحدّي ومن المغالاة في آن، مع العلم أن كلّ رواياته ترجمت للعربية، عدا الرّوايات الثلاث الأخيرة. لكن رشيد بوجدرة لم يكتف بدور الكاتب، كما فعل محمد ديب مثلاً، الذي كان أوّل من احتفى ببوجدرة عقب صدور روايته الأولى، بل إن صاحب «الحلزون العنيد» منح لنفسه مساحة أوسع، انخرط في النّقاشات الرّاهنة التي عرفتها وتعرفها الجزائر، أراد أن يكون حضوره طاغياً، ساند وعارض، كتب مع البعض وضد بعض آخر، صاحب سياسيين وانقلب على بعض منهم، نشّط حملات انتخابية، اتّخذ، في مرّات، مواقف ثم تراجع عنها، كان يشعر بأن واجبه ككاتب يفرض عليه أن يكون متداولاً في صفحات الجرائد وفي النّدوات وفي النّقاشات، في السّياسة والثّقافة وقضايا المجتمع، واجه الإسلاميين، سنوات الموت في تسعينيات القرن الماضي، رغم أن رأسه كان مطلوباً من طرف بعض الجماعات المتطرّفة، وأوجب عليهم احترامه، لم يتخلّ عن وقوفه الصّارم مع القضية الفلسطينية، وفي رفضه لبقايا الذّهنية الكولونيالية في شمال أفريقيا، لكن في السّنوات الأخيرة، تحوّل رشيد بوجدرة إلى ما يُشبه سلك ناقل للأفكار السّياسية المهيمنة في البلد، لم يعد هو نفسه الذي كان يعرفه القارئ من سنين، صار يخجل من مُعارضة الواقع، يتحاشى مواجهة ما حصل من انتهاكات في دستور البلد، ويُساير أهواء المرحلة، كان يمكن للرّجل أن يصمت، بدل أن يتخذّ موقعاً مقرباً من السّلطة، احتراماً لتاريخه ولنصف قرن قضّاها في الكتابة والإبداع، لكنه تورّط في التّقرّب من وزراء الثّقافة، وفي التّحلّق حول طاولة السّلطة، هكذا إذن انقلب رشيد بوجدرة على نفسه، انقلب الرّجل على الكاتب، بعدما هدم تابوهات الجنس والأبوية بات يهدم تاريخه الشّخصي، بعد أن عاش متمرداً في الأدب، صار ليناً في الحياة العامّة.

خمسون عاماً بلا جائزة

يحلو لرشيد بوجدرة أن يشبّه نفسه بالكاتب الفرنسي لويس فرديناند سيلين (1894-1961) الاثنان بدآ النّشر في الدّار نفسها (دونوال)، وسيلين عانى من التّهميش في فرنسا، ليس بسبب كتاباته ولكن بسبب مواقفه السّياسية، واتّهامه بالتّعاون مع الاحتلال النّازي، سنوات الحرب العالمية الثّانية، لهذا يجد بوجدرة في حالة سيلين تعليلاً «غير منطقي» لما يعتبره تهميشاً له واستبعاداً من الجوائز الأدبية في باريس، هو يذهب نحو هذه المقارنة لإخفاء سبب آخر واضح، هو رواياته التي لم تخرج من «القوقعة» الجزائرية، ولم تصل لملامسة قارئ كوني، كما فعلت آسيا جبّار مثلاً، فنجاح بوجدرة في الجزائر، وفي كسب قراء له في المغرب وفي تونس، ليس يعني أنه بلغ كتابة أدب كوني، إنه يكتب من داخل الوعي الجزائري، من وإلى قارئ جزائري، بالدّرجة الأولى، لهذا فإن جمهور قرائه في فرنسا أو في أوربا إجمالاً هو من نخبة ومن فضوليين، مهتمّين بما يحصل خلف الحدود، وقد لاحظنا، من عقود، أن جوائز فرنسية مهمةّ، مثل غونكور، ذهبت لكتّاب لهم مواقف مناهضة لسياسة قصر الإليزيه، هذا ما يستفزّ بوجدرة، ويجعل منه – رغم نصف قرن من الإبداع – كاتباً بلا جوائز ولا تكريمات (عدا بعض الجوائز المحلية)، ما سبّب غضب الكاتب، الذي لا يتوان في التّهجّم على كلّ كاتب آخر، من بلده، يحقق خطوات خلف البحر، ويصل قوائم الجوائز الأدبية الفرنسية: سليم باشي، كمال داود وبوعلام صنصال وغيرهم. وعاد صاحب «الجنازة»، في ندوته الأخيرة، في الجزائر العاصمة، إلى معاركه القديمة، وقال: «جائزة نوبل لا تُعطى إلا للحقراء»، تصريح لا يُفهم دون إدراك حالة الإحباط التي يعيشها بوجدرة، بسبب خلو سيرته من جوائز مهمّة، وسرعان ما ردّ الكاتب عبد العزيز بوباكير على تصريحه: «أتمنّى ألا يكون صديقي رشيد، مثل الثّعلب، الذي قال عن العنب لمّا صعب عليه مناله إنه حامض.»

أكاديمية نوبل لم تعد حصناً منيعاً، كما كانت في الماضي، فقد صار متاحاً التوصّل لأرشيفها، ومعرفة ما دار في أروقتها في العقود الماضية، والتّعرّف على من رشح لها ومن لم يرشح، نعرف أن طه حسين ورد اسمه أكثر من مرّة، لكنه لم يبلغها، والتّسريبات الموثّقة أوردت اسماً واحداً من الجزائر هو آسيا جبّار (1936-2015)، والقول إن الجائزة أخطأت بوجدرة ربّما يرجع السّبب في ذلك إلى أن اتّحاد الكتّاب الجزائريين قدّم، قبل سنوات، اسم بوجدرة، كمرشح له، لكن هذا التّنظيم لم يؤخذ رأيه بعين الاعتبار، كما إن هناك نقطة أخرى مهمّة، من يرشح لنوبل للأدب لا بدّ أن يكون مترجماً للسّويدية، وهي لغة لم تصل إليها بعد روايات الكاتب. بالتّالي من المُغالطة أن يدّعي بوجدرة أنّه رُشح لنوبل، ومن المغالطة الأكبر أن ينسف قيمتها بالقول إنها لا تمنح سوى للحقراء.
الرّواية الجزائرية، المكتوبة بالفرنسية، عرفت تحوّلات سريعة، مقارنة بنظيرتها المكتوبة بالعربية. تاريخياً، أوّل رواية بالفرنسية، في الجزائر، صدرت عام 1950»نجل الفقير» لمولود فرعون، وتأخّرت الرّواية بالعربية إلى 1971.

«ريح الجنوب» لعبد الحميد بن هدوقة، ورشيد بوجدرة ينتمي للجيل الثّاني من الرّوائيين، الذي جاء بعد جيل مولود فرعون ومحمد ديب وكاتب ياسين، قطع، منذ روايته الأولى، علاقته الأدبية بسابقيه، لم يهتم بثيمات ثورة الجزائر، بشكل مباشر، بل كانت ترد في روايته، بشكل غير مباشر (عدا ربما حالة «رواية ضربة جزاء»)، هذا ما جعل من بوجدرة حالة استثنائية، في الكتابة الرّوائية، لأنه كان رافضاً السّير تحت جناح المؤسسين، لكن لاحقاً ستتغيّر الأوضاع مجدداً، فقفزات الرّواية الجزائرية، المكتوبة بالفرنسية، متصلّة بالقفزات السّياسية والاجتماعية التي عرفتها البلاد، وهو أمر لم يستطع بوجدرة مسايرته بشكل صارم في كتاباته، هكذا جاء جيل آخر عقب جيل بوجدرة، ممثلاً خصوصاً في رشيد ميموني (1945-1995)، ثم ظهرت تجارب حديثة، في السّنوات الأخيرة، مع الألفية الجديدة، مع كتّاب شباب، مثل مصطفى بن فضيل أو كمال داود، في الفترة الأخيرة، وهم كتّاب يتّجهون نحو مُساءلات إنسانية، للتّعبير عن إشكالات الرّاهن، بطرق فنية، يقتربون أكثر من قارئ مسكون بحاضره، بعدما تحرّروا من وزر التّاريخ ومن ثقله، ومكانة بوجدرة تكون – منطقياً – قد تراجعت أمام الكتّاب الجدد، لهذا فإن الاحتفال بمرور خمسين عاماً من تجربة الكاتب الأدبية، هو احتفال بماضيه وليس بما هو عليه الآن، احتفال ببوجدرة، ذلك الكاتب الذي قام بواجبه، في السّبعينيات والثّمانينيات، من القرن، قبل أن ينطفئ تدريجياً، ويصير اليوم غير قادر على تجديد نفسه، ولا على كسر القوقعة التي يعيش فيها.

المصدر (القدس العربي)

Friday, 7 July 2017

الرواية الجزائرية رواية "مَا وَرَاءَ الأُفُقِ الأزْرَق" للكاتب مولود بن زادي في صحيفة الجريدة الكويتية

إحدى أكبر الصحف الكويتية 🇰🇼 تتحدث عن رواية "مَا وَرَاءَ الأُفُقِ الأزْرَق" للكاتب مولود بن زادي!❤️😉

رابط الصفحة:
http://www.aljarida.com/articles/1499100098935136100/

أتقدم بخالص الشكر والتقدير للقائمين على هذه وأخص بالذكر الكاتبة والإعلامية ك. ش.

#مولود_بنزادي
#الأدب_العربي
#الرواية_الجزائرية
#الأدب_الجزائري
#الأدب_المهجري