Tuesday, 3 March 2015

مولود بن زادي في القدس العربي : جائزة البوكر وتعثر الرواية الجزائرية

مقال الكاتب والمترجم مولود بن زادي في صحيفة "القدس العربي"  لندن - بريطانيا. 

العنوان: 

     جائزة البوكر وتعثّر الرواية الجزائرية\ 
هل الخطأ في لجنة التحكيم أم في أعمالنا الروائية؟ 

المقال:

"تتعالى هذه الأيام أصوات أدباء ونقاد في الجزائر وخارجها منتقدة لجنة تحكيم جائزة البوكر، مندّدة بقراراتها، مشكّكة في مصداقية أحكامها، ويذهب بعضها إلى حد انتقاد إدارة البوكر لاختيار شعراء ضمن عناصر لجنة تحكيمها بدلا من روائيين والتشكيك في قدرة الشعراء على تقييم الأعمال الروائية والحكم عليها، وهو ما ذهبت إليه أيضا أصوات عربية خارج الجزائر . 
فما سبب كلّ هذا الإستياء والغضب من هذه اللجنة في الجزائر وما يصحب ذلك من جدل وصخب؟ إنّه تعثّر  الرواية الجزائرية في مسابقة الجائزة وهو تعثّر ما برح يلازم روايتنا منذ عهد طويل. وفي ظلّ هاجس هذا الفشل المتكرّر، هل يقع اللوم على لجنة المسابقة أم روايتنا المشاركة فيها بنفس الأسماء غالبا؟  

لعلّ هذه الأصوات تعجّلت شيئا ما في إساءة الظن باللجنة والتشكيك في مصداقيتها والحكم على أعضائها، فمَنْ مِنْ بين هؤلاء الأدباء والنقاد اطّلع على كلّ الأعمال المشاركة ليتبيّن ما تحمله من أسلوب وأفكار، ومحاسن ومساوئ، ولكي يتأتّى له المقارنة بينها، وتمييز الصالح والطالح منها، والحكم عليها عدا عناصر لجنة التحكيم؟ 
فبدلا من سبق الأحداث والتسرع في إصدار أحكام على لجنة التحكيم، كان ربما ينبغي التأني شيئا ما والتساؤل عن الأسباب الكامنة وراء هذا الفشل المستمر، ومن ثمّ السعي لاستخلاص الدروس والعبر من ذلك والاستفادة منها لمراجعة النفس ومحاسبتها وتخليصها من أخطائها وعيوبها والاجتهاد لتقديم ما هو أفضل وأنجع وأسلم والسمو به عاليا في سماء دنيا الأدب والتحليق به فوق قلاع المنافسة العملاقة المنتشرة بين المحيط الأطلسي والخليج، نحو تحقيق ما عجزنا عن تحقيقه لسنوات طويلة. 

وها هي الكاتبة البحرينية بروين حبيب المشاركة في لجنة التحكيم توضّح بعض أسباب فشل الروايات المشاركة من خلال مقالة طالعتنا بها صحيفة القدس العربي بتاريخ 22 فبراير 2015:
1. لأنّ هذه الروايات مجرد تكرار لأعمال سابقة ولم تأت بجديد. 
2. لأنّ هذه الأعمال الروائية مليئة بأخطاء وصفتها الكاتبة البحرينية ب"أخطاء لا تغتفر في حق اللغة العربية"، مضيفة: "لقد أصبت بصدمة كبيرة جدا وأنا أقرأ نصوصا لكتاب أشاد بهم إعلاميون، لكنهم كارثة حقيقية، إذا سمحنا لهم أن يعيشوا في هذه الفقاعة من الوهم. والعتب هنا ليس على الكاتب وحده بل على دور النشر أيضا، التي تتسابق لترشيح أعمال لم تكلّف نفسها حتى أن توظف مصححا لتصحيحها." وتقول بعد ذلك: "من غير المقبول أن تمر رواية تكرّر فيها نصب الفاعل عشرات المرات، ورفع المفعول به، وأحرف جزم لا تجزم، وياء في نهاية كل فعل يخاطب الأنثى ..عيب أن نصل إلى هذا المستوى وهذه « الشرشحة» للغة العربية. وإن كنا نرضى بتمرير هذه الأخطاء فعلينا أن نقدم استقالاتنا أولا."

فهل يعقل أن تفوز بالجائزة رواية هي في واقع الأمر نسخة مطابقة لروايات قبلها أو تقليدا لها أو ما أشبه ذلك، وقد لا يكتفي الروائي بتقليد غيره فيقلّد نفسه وقد لا يشعر بذلك؟! ولا عجب في ذلك، إذ ثمة كتاب يتسابقون ويصارعون الزمن من أجل نشر روايات كل سنة يشاركون بها في معارض الكتاب! فالكم عند هؤلاء أولى من الجودة، وبعضهم لا يجد وقتا لقراءة كتب والاستفادة منها، فإن تصفحت رواياته شاهدت في صفحاتها كل أصناف الشوائب!
وهل يعقل أن تفوز بالجائزة رواية مليئة بأخطاء لغوية؟! أخطاء نحوية وغيرها التي إن ارتكبها تلامذة الصف الابتدائي يوم الامتحان سقطوا! 
لا يمكن بأي حال من الأحوال الاستهانة باستنتاجات الكاتبة البحرينية وأحكامها لأنها فحصت الأعمال الروائية بما تملكه من مؤهلات ومهارات وخبرات في حقلي اللغة والأدب، كما يفحص الطبيب المريضَ، والطبيب مؤهل لتشخيص الداء ووصف الدواء، ونراها تقترح الدواء لعلاج هذه الروايات العليلة وذلك بتخليصها من آفة المحاكاة والتقليد وتجريدها من الأخطاء الفادحة في حقّ اللغة التي تُكتب بها.
وعليه لستُ أوافق على الإطلاق الروائي والناقد العراقي سامي البدري فيما ذهب إليه في مقاله في القدس العربي 24 فبراير عندما اتهم الكاتبة البحرينية بالاستعراض حينما ذكرت شهاداتها العلمية ومنجزاتها الإعلامية، فمن الواضح أنّها لم تتحدث عن تلك الإنجازات من باب الفخر والاعتزاز وإنّما دفاعا عن نفسها في وجه من شكّك في قدرتها على تقييم الأعمال الروائية، فما أرادت إيصاله من خلال ذلك هو أنّ منجزاتها في حقل اللغة تؤهّلها لأن تكون في لجنة التحكيم وتخوّلها حقّ منع الأعمال الروائية الرديئة، التي لا تُميِّزُ حتى بين الرفع والنصب والجر والمثنى والجمع، من نيل الجائزة لأنها ليست جديرة بذلك. وكيف تفوز بالجائزة أعمال بها كل تلك الأخطاء والشوائب التي تطعن لغتنا، وتشوّه أدبنا، ويتعلمها أطفالنا منا، وتتوارثها الأجيال من بعدنا! ثمّ كيف يمكننا الجزم أنّ الشعراء غير مطلعين على العناصر الفنية والتقانية والمقاييس النقدية المتعلقة بالرواية؟! فهذا حكم جائر غير مقبول. لا يمكن بأي حال من الأحوال حرمان الشاعر من تقييم الأعمال الروائية بحجة أنه شاعر وليس روائيا، والعكس صحيح، في زمن يتميز بتداخل الأنواع الأدبية وممارسة الكثير من الأدباء لفن الرواية والشعر معا والانتقال بينهما. لقد أصبح الكثير من النصوص السردية يرتكز على شعرية اللغة المكثفة، وصارت الرواية تنافس الشعر مستخدمة وسائله باستخدام بنية مماثلة لبنية البيت الشعري وبالتلاعب بالاستعارات وبموسيقي الألفاظ.

ونلاحظ أنّ من بين الأشخاص المحتجين أدباء وافقوا على المشاركة في الجائزة بمحض إرادتهم وهم يعلمون كل صغيرة وكبيرة عنها ويعرفون عناصر لجنة التحكيم وجنسياتهم ومؤهلاتهم! يشاركون في المسابقة، فإن فازوا صمتوا وإن انهزموا انهالوا على لجنة التحكيم لوماً! هذا في تصوّري غير عادل وغير مقبول يذكرني بلعب الصبيان .. تتشاجر ابنتي الصغيرة مع شقيقتها الأكبر من أجل لعبة، فأتدخّل وأقترح إجراء قرعة تحدد من يفوز باللعبة، فتوافقان، وما أن تعلم البنت الصغرى بالخسارة حتى تجهش بالبكاء وتحتج ولا تقبل النتيجة! ففي تصوري إن كان الأديب يشك في مصداقية اللجنة ينبغي عليه عدم المشاركة منذ البداية، فهو يعرف قوانين اللعبة حقّ المعرفة، وإن اختار المشاركة  ثم احتج فلا مصداقية له. 

وخلاصة القول: قبل أن نلوم غيرنا ينبغي علينا مراجعة أنفسنا وأخذ بعين الاعتبار استنتاجات عناصر لجنة التحكيم لعلّها تنفعنا فنقدّم ما هو أفضل في المستقبل.
وبحكم أني مترجم وباحث لغوي فقد كتبت مقالات نقدية أشرتُ فيها إلى كثرة الأخطاء اللغوية والألفاظ العامية في الأعمال الروائية وأشرت في مقالات وحوارات إلى نزعة كتابنا في هذا العصر إلى الابتعاد عن الواقع الاجتماعي وإبحارهم بعيدا في فضاء الوجدان والفلسفة واستغراقهم في اللف والدوران في مجتمع عربي معروف بعزوفه عن القراءة وهو ما يزيد الطين بلّة، وأنذرت أنّ ذلك من شأنه أن يسيء إلى أعمالنا الروائية وأن يحول دون تألقها خارج الديار، وهذا ما نراه يحدث للأسف! 
فأستغل هذه الفرصة لأدعو كتابنا إلى مراجعة الأوراق والسعي لتوجيه الرواية الجزائرية في الاتجاه الصحيح الذي سار فيه السلف، بالعودة إلى الأصالة والواقع والمواطن. 
وإن اخترنا الكتابة باللغة العربية فلابد أن نكتب بلغة عربية سليمة وواضحة يفهمها كل العرب من المغرب إلى الخليج، بعيدا عن اللهجات العربية العامية المعقدة والكثيرة التي لا يفهمها إلا القليل في الوطن العربي، ودون تشويه النص الروائي بألفاظ وتعابير فرنسية وبأحرف لاتينية لا علاقة لها مطلقا باللغة العربية، وهل شاهدنا يوما ألفاظا وتعابير عربية مكتوبة بأحرف عربية في روايات غربية؟! ولا مجال لارتكاب أخطاء فادحة في حق لغتنا وانتهاك أحكام لغة في حجم لغتنا العربية والعبث بها باسم الإبداع أو أي كلام فارغ وكأنها ملكية خاصة، فالأديب الإنجليزي لم ينتهك أحكام لغته مع أنه ينشر عشرات الأضعاف ما ننشره نحن، فلا نرى أخطاء لا في الانجليزية ولا في الفرنسية ولا في أي لغة أخرى عدا لغتنا العربية! وهذا ما ذكرته أيضا في مقالاتي النقدية السابقة التي تناولت بعض الأعمال الروائية باللغة العربية. 
وإن ركبنا الغرور والعناد ولم نستخلص دروسا وعبرا من هذه التجارب الفاشلة المتكرّرة في منافسة الأعمال العربية، فإننا بلا شك سنحكم على روايتنا بالعزلة والموت البطيء وسنحكم على أدبنا بالفناء شيئا فشيئا. فحتى وإن وصلنا إلى أدوار متقدمة في مسابقة جائزة البوكر أو غيرها وحتى وإن فزنا بها بالشكوى والاحتجاج والضغط، فإننا سنفشل في الفوز بما هو أسمى من مجرّد جائزة وهو وصول أعمالنا الروائية إلى الأجيال القادمة والخلود في أحضانها من بعدنا. ولنعلم جميعا أن الأجيال القادمة لن تقدّر أعمالا مليئة بالأخطاء اللغوية وقامت على أنقاض لغتها، اللغة العربية."

مولود بن زادي - مترجم وكاتب صاحب معجم الزاد للمترادفات والمتجانسات العربية - بريطانيا

رابط المقال:

http://www.alquds.co.uk/?p=304227

أشكر جزيل الشكر القائمين على هذه الصحيفة الغراء

Friday, 20 February 2015

دراسة نقدية لرواية رياح القدر للكاتب مولود بن زادي الجزء الأول الهجرة والحنين إلى الوطن

دراسة نقدية لرواية "رِيَاحُ القَدَر" العاطفية       الاجتماعية الواقعية للكاتب مولود بن زادي
                المقيم في بريطانيا

بقلم الناقد أبو يونس معروفي عمر الطيب

الجزء الأول: مشاهد الهجرة والحنين إلى الوطن في رواية "رياح القدر"

"يمكن القول إنّ رياح القدر للكاتب المهجري مولود بن زادي هي نتاج بيئتها ليس فقط من حيث القصة والخطاب وإنما من حيث اكتسابها كل آليات البنية التبليغية العامة.

إن النص الروائي "رياح القدر " في سمته المسيطرة أخذا و صناعة  سيستوقف المتلقي لاشك وهو يلامس مسحة الاغتراب يقابلها الحنين إلى الوطن بدءا من المقدمة التي صيغت بلسان الكاتب الذي لقب نفسه بالكاتب المهجري  وكان يمكن النفاذ إلى هذه السمة في شخصيته دون أن يكون لها ذكر بمقدمة الكتاب  وذلك من خلال طابع الخطاب الروائي المتقد حبا واشتياقا إلى الوطن فهو يُحيلنا إلى زمن أدبيات المهجر بكل ما يحمله من تسامي مثالية " أخلاق + عفاف + فضيلة " ، إذ يتجلى الحنين بارزا في مقدمة روايته هذه شديدا قويا يوحي بالاشتياق الكبير إلى الجزائر، وكأن الكاتب لم يكتف بالوصف الذي خص به لحظات مغادرة فؤاد " بطل روايته " ارض الجزائر فراح يكتب قصيدة في الوطن مقفاة أنهى بها مقدمته، ونجد انه ظل يبعث برسائل الحب إلى الوطن حتى النهاية فنجده يعبر هنا في الصفحة ص176 يصف فؤاد وهو يغادر أرض الوطن  بما يلي:

"ما أشد تأثره وهو يرى مبنى مطار بلاده يتباعد شيئا فشيئا أمام بصره لم يخطر بباله أبدا أن الرحيل عن الوطن من أصعب وأتعس لحظات الحياة "
" يغمره فجأة حنين جارف إلى وطنه وهو لا زال على أرضه فينتابه شعور انه حتى وان جال الدنيا برمتها فانه لن يلفي أرضا أعزمن ارض أجداده ولا صدرا احن من صدر بلاده "..

وفي مقدمة كتابه يذكر قصيدة قال فيها:

"مهما تغربت وطال بعادي،
عنك ارض أهلي وأجدادي،
ستظليـــــــن في دمـي وفؤادي،
أهواك في الماسي والأعيـــــــاد..."

وفي  سياق مماثل يقول الشاعر المهجر ي شفيق معلوف:

"وطني ما زلت ادعوك أبي         وجراح اليتم في قلب الولدْ
هل درى الدهر الذي فرقنا       انه فرق روحا عن جسد... "

(تُتبع)

Tuesday, 3 February 2015

دراسة نقدية مفصلة لرواية "رِيَاحُ القَدَر" للكاتب مولود بن زادي بقلم الناقد أبو يونس معروفي عمر الطيب..
اكتشفوا أسرار هذه الرواية العاطفية الاجتماعية الواقعية التي تأتيكم من الجزر البريطانية ضمن أدب المهجر بأسلوب سهل ممتنع كما وصفته دراسة سابقة في صحيفة الشروق.
رابط القراءة النقدية:

http://www.nasheron.com/blogs/2470/11641/-
بن زادي - لندن بريطانيا

Monday, 26 January 2015

قراءة نقدية لرواية رياح القدر للكاتب المهجري مولود بن زادي للناقد أبو يونس معروفي عمر الطيب

قراءة نقدية مفصلة لرواية "رِيَاحُ القَدَر" للكاتب مولود بن زادي بقلم الناقد أبو يونس معروفي عمر الطيب..
اكتشفوا أسرار هذه الرواية العاطفية الاجتماعية الواقعية التي تأتيكم من الجزر البريطانية ضمن أدب المهجر بأسلوب سهل ممتنع كما وصفته دراسة سابقة في صحيفة الشروق.
رابط القراءة النقدية:
http://www.alfikre.com/articles.php?id=10167

بن زادي - لندن بريطانيا

Saturday, 17 January 2015

صور العنف السياسي في الرواية الجزائرية المعاصرة ل سعاد العنزي

كتاب للأسف بعيد عن المصداقية لتناوله جزء فقط من الرواية الجزائرية وهي الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة العربية لعدم معرفة سعاد العنزي للغة الفرنسية كما اعترفت بنفسها في المقدمة، وهو بذلك أهمل جزء من الواقع الثقافي الجزائري لأن الأدب المكتوب باللغة الفرنسية جزء لا يتجزأ منه
وليس صحيحا ما قاله العنزي في المقدمة وهو أن الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية موجه إلى فئة معينة.. هذه مغالطة. الكثير من الجزائريين يقرأ بالعربية والفرنسية معا والكتاب الجزائريون الدين كتبوا بالفرنسية وصفوا الواقع الجزائري.
فثمة علامات استفهام حول مدى اطلاع الكاتبة على الثقافة الجزائرية ومدى مصداقية أحكامها

Saturday, 10 January 2015

العملية النقدية والرواية الجزائرية والرد على ادعاءات الناقدة الكويتية سعاد العنزي Suad Alenzi

العَمَلِيَّةُ النَّقْدِيَّةٌ والرِّوَايَةُ الجَزَائِرِيَّةُ
بقلم المترجم والكاتب الجزائري المهجري مولود بن زادي

النَّقْدُ، بتعريفه اللّغويّ، مشتقّ من كلمة (نَقَدَ) التي تعني أساسا مَيَّزَ. فكما جاء في المُنْجِد في اللُّغَة والأعْلام، نَقَدَ الدَّراهم وغيرها: ميَّزها ونظرها ليعرف جيِّدها من رديئها. وهذا، بلا ريب، المعنى الأول الذي حملته هذه اللَّفظة قبل تطوّرها واتساع مفهومها. فقيل: (نَقَدَ الكَلامَ) ومعناه أظهر ما به من العيوب والمحاسن. ومنه نشأ مفهوم النقد الأدبي بمعناه المعروف حاليا. فالنقد، بتعريفه الأدبي، هو فن تفسير الأعمال الأدبية ومحاولة التَّمييز بين أساليبها وكشف محاسنها ومساوئها.

العملية النقدية تمرّ عادة بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: وتدعى "مرحلة التفسير" وتتمثل في كشف المعنى العام الذي أراد الأديب أن يعبر عنه.
المرحلة الثانية: وتدعى "مرحلة التَّحليل" وتشمل شرح الأسلوب الذي سلكه الأديب للتعبير عن أفكاره وعواطفه ورؤاه.
المرحلة الثالثة: وتدعى "مرحلة التقويم" وتتمثَّل في الحكم على العمل الأدبي وإبراز مدى تفوّق الأديب أو فشله في التعبير عن المضمون بالشكل المناسب.
وإن أجمع النقاد على ضرورة مرور العملية النقدية بالمرحلتين الأولى والثانية فإن فئة منهم اختلفت معهم في الرأي بشأن المرحلة الثالثة فأكدت أن مهمة النقد ينبغي أن تقتصر على الكشف عن مضمون النص الأدبي وشكله دون الحكم عليه وترك ذلك الحكم، في آخر المطاف، للقارئ. وأنا أمِيل إلى هذا الرأي، فالقارئ، في نظري، أحقّ بالحُكم على ما يقدِّمه الكاتب من أعمال أدبية، فالمُؤلَّفات موجّهة، في الأخير، إلى القارئ يستمد منها متعة ومنفعة وعبرة، رغم خضوعها الحتمي، في وقت من الأوقات، لعمليات النقد.
والنقد، بلا ريب، لازَمَ الأدب منذ نشأته. ولا جرم الناقد الأول للعمل الأدبي هو الأديب عينه. فالمؤلّف بطبيعته ناقد لنفسه مقوّم لعمله قبل صدوره والتفات الناس إليه. فقد ينفق الأديب زمنا معتبرا في تنقيح العمل قبل نشره ووضعه بين يدي القارئ وإلقائه بين أمواج النقد الخارجي المتلاطمة التي تسوقه بعد ذلك في أي اتجاه شاءت.. فقد ترى فيه عَيْنُ الناقد حُسْناً فتُغْرقه مَدحا أو ترى فيه قبحاً فتُغرقه قَدحا. يواظب الأديب على قراءة عمله قبل نشره مفتشا عمّا لزقت به من شوائب أو مثالب أو نقائص أو مَعَايب، فيصحِّح ما يستطيع تصحيحه ويصلح ما يمكنه إصلاحه. وقد لا يفلح في ذلك كلية حتى وإن أنفق في ذلك وقتا مديداً وبذل فيه جهداً جهيداً. فما الكمال، في نهاية الأمر، إلا لله عزَّ وجلَّ. فقد صَدقَ العماد الأصفهاني عندما قال: “إنِّي رأيتُ أنّهُ لا يَكْتُبُ أحَدٌ كتابا في يومِه إلاّ قال في غَده: لو غــُيِّرَ هذا لكانَ أحسن، ولو زيدَ هذا لكان يُسْتَحْسَن، ولو قُدِّمَ هذا لكان أفضَل، ولو تُرِكَ هذا لكان أجمل. وهذا من أعْظَم العِبَر، وهو دَليل على اسْتيلاء النَّقْص على جملة البَشر.”

لقد تطوّر النقد على مدى العصور وتعدّدت مناهجه، غير أن غايته بقيت، بشكل عام، واحدة مشتركة منذ أيام الفيلسوف الشهير أرسطو وإلى عصرنا هذا وتتمثل في اهتمام الناقد بطرح جملة من الأسئلة عن مضمون النصّ والشكل الذي سلكه الأديب للتعبير عن أفكاره.
لكن، لا يمكن، بأي حال من الأحوال، إجراء نقد صحيح ومنصف لعمل من الأعمال بمجرد النظر إلى مضمون النصّ وشكله من غير النظر في السيرة الذاتية للمؤلف والعوامل النفسية والعاطفية وتأثيرات التيارات الفكرية والأدبية والبيئة الاجتماعية والظروف السياسية والاقتصادية والثقافية المختلفة المحيطة بالأديب. فهي كلُّها تساهم بشكل أو بآخر وبنسب متفاوتة في تحديد مضامين الأعمال الأدبية ورسم مناهجها واتجاهاتها. فلا شك أنّ جهود الناقد ستؤول إلى الفشل إن سارع إلى إعداد قراءة نقدية لعمل من الأعمال الأدبية بشكل آلي بلا رويّة دون تأمل كل العوامل والخلفيات المؤثرة. ولتأكيد مدى تأثير هذه الظروف على الأديب وإسهاماته الأدبية، نأخذ ربما بعض الأمثلة من واقع الرواية الجزائرية. فمن يتأمل مراحل تطوّر الأدب الجزائري، يلاحظ، بلا ريب، نزعة الروائي الواقعي منذ القديم إلى وصف الجانب الاجتماعي لعصره وتصوير كل ما يميّز الواقع المعاش من قضايا وتناقضات وصراعات وغيرها. فهو ثمة شاهد عليها يصوّر مشاهدها ويعلل أسبابها ويعدّد آثارها. فهذا الأديب رضا حوحو، رائد الرواية الواقعية الجزائرية في القرن الماضي، يعالج مسألة الحجاب الشّائكة لأول مرّة في المجتمع في رواية 'غادة أم القرى' الشهيرة سنة 1947. وفي وقت لاحق وبالتحديد مع بداية السبعينات، نشهد نزعة الكثير من الروائيين إلى الاتجاه الإيديولوجي الاشتراكي انعكاسا للواقع المعاش في تلك الحقبة. فهذا، على سبيل المثال، الأديب عبد الحميد بن هدوقة قد نشأ في الأوساط الريفية وهو ما أكسبه معرفة واسعة عن نفسية الفلاح وحياته، وهذا ما انعكس تماما على مؤلفاته ونرى ذلك جلياً في روايته الشهيرة 'ريح الجنوب' سنة 1970 التي حوّلت فيما بعد إلى إنتاج تلفزيوني. وأيضاً الأديب حسان جيلاني يبدو متعصبا للثورة الزراعية في روايته 'لقاء في الريف' 1980.
 ولقد عرفت الجزائر، منذ نشأة الرواية فيها مع صدور أول نصّ روائي "حكاية العشاق في الحبّ والاشتياق" للمؤلف محمد بن إبراهيم سنة 1847، ثمّ رواية 'غادة أم القرى' للأديب رضا حوحو بعد قرن من ذلك سنة 1947، عدَّةَ تيارات أدبية أبرزها التيار الكلاسيكي الواقعي الذي توخَّى أسلوبا تقليديا سهلا معتمدا على السرد المنظم في وصف الأحداث مراعيا التسلسل الزمني والحبكة مهتما كثيرا بالمضمون. وقد تزعَّم هذا التيارَ روادُ الرواية الجزائرية المكتوبة باللُّغَة الفرنسية. فهذا الأديب مولود فرعود يصدر رواية "ابن الفقير" سنة 1950، ومولود معمري ينشر رواية "الربوة المنسية" سنة 1952، ويطلق محمد ديب ثلاثيته الشهيرة المتمثلة في رواية "البيت الكبير" سنة 1952 والتي نشرتها "لوسوي" الفرنسية، ونفدت طبعتها الأولى بعد شهر واحد فقط وهذا دليل على مدى نجاح هذه الرواية وهذا الصنف الروائي، ورواية "الحريق" سنة 1954 التي تنبأ فيها بالثورة الجزائرية فاندلع بركانها بعد صدورها بثلاثة أشهر فقط، ورواية "حرفة الخياط" سنة 1957.
بعدها نشأ تيار آخر خرج بالرواية من إطارها الكلاسيكي مبدعا فأضفى عليها طابعا شعريا مركزا على الشكل أكثر من المضمون متحرّراً من طريقة السرد التقليدية والقيود اللُّغَوية. كان رائده كاتب ياسين الذي أبدع كثيراً في روايته الشهيرة "نجمة" سنة 1956 واتسعت آثاره وما زالت إلى حد الساعة.
فحتى يتسنَّى للناقد التوفيق في قراءة الرواية الجزائرية قراءة موضوعية عادلة، فإنّه يحتاج حتما إلى الإلمام بالعوامل النفسية والعاطفية والظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تؤثِّر حتما على الكاتب وعلى توجهاته الفكرية والأدبية مثلما ذكرنا آنفا.
لا بدّ له أيضا أن يتعرّف على مراحل تطوّر الرّواية الجزائرية عبر التاريخ ويطّلع، في سياق ذلك، على ما أنتج من الأعمال الأدبية الجزائرية باللُّغَتين العربية والفرنسية معا دون فصلها عن بعضها والتفريق بينها بذريعة اللُّغَة كما يفعل البعض. فهي، رغم فارق اللُّغَة، أعمال مشتركة متماسكة كالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. فهي أعمال تشترك في كونها من تأليف أقلام جزائرية لا أجنبية وتنتمي إلى بيئة واحدة وتشترك في الثقافة وتثير قضايا مشتركة شهدها الأدباء وعاشوا تجاربها فهبوا يصفونها بأقلامهم وإن اختلفت لغاتهم ومناهجهم. فهي بذلك كلها أعمال جزائرية وجزء لا يتجزّأ من الثقافة والتراث والهوية.
ورغم أن الكثير من الأعمال الأدبية الجزائرية باللُّغَة الفرنسية تُرْجِمَ إلى اللُّغَة العربية إلاّ أن خير سبيل لفهمها وتقدير قيمتها هو قطعاً الإطلاع عليها باللُّغَة التي كُتِبَتْ بها وليس من خلال النسخ المترجمة التي لا تعكس بأي حال من الأحوال الكتب الأصلية وإن كانت توصل إلى حد ما معناها. فرغم ما يبذله المترجم من جهد في نقلها إلى اللُّغَات الأخرى إلا أن النصوص الأدبية غالبا ما تفقد قيمها الجمالية والتعبيرية عند ترجمتها. فنحن في حقل الترجمة نجد عادة ترجمة الأعمال الأدبية أصعب من ترجمة أصناف النصوص الأخرى بحكم أن المصنفات الأدبية تحمل قيما معينة تعرف باسم القيم الجمالية والتعبيرية والتي عادة ما تضيع عند تحويل النصّ إلى لغة أخرى. فإن اطّلع عليها الناقد بلغة غير اللُّغَة التي صُنِّفَت بها، ربما لعدم معرفتها أو إتقانها، فإنّه قد يسيء فهمها وقد يخطئ في تقدير قيمتها وبذلك قد يجور في الحكم عليها وعلى أصحابها.

ومن الشروط الأخرى التي يجب على الناقد أن يراعيها عند القراءة النقدية، التزام مبدأ الحياد وعدم الانحياز لأي تيار أدبي أو كِتَابٍ أو كَاتِبٍ مِن الكُتَّابِ. فنظرة الناقد لن تكون بأي حال من الأحوال صادقة صائبة إن تناول عملا من الأعمال وهو متعصب لشخصية من الشخصيات الأدبية أو لشكل من الأشكال الفنية مقيداً تفكيره بمثل هذه القيود، فلا يرى غيرها في الوجود.
لكن، السؤال الذي يحسن بنا طرحه حينئذ هو: يا ترى، أيعقل أن يتجرّد الناقد من ميوله وعواطفه أثناء القراءة النقدية؟ فالنزعة العاطفية منصهرة في ذاته وجزء من حياته. وهنا يحسن بي ربما الإشارة إلى تجربة شخصية حديثة للدلالة على ذلك: فقد عرَضْتُ روايةً اجتماعية درامية مقتبسة من قصة واقعية على أستاذة أدب عربي في إحدى الجامعات الجزائرية لنقدها، فاستحسنت شكلها الذي ابتغيته أن يكون كلاسيكيا بسيطاً يفهمه الكل تأثراً مني بالمدرسة الكلاسيكية الواقعية لا سيما تلك التي شهدها الأدب الجزائري مع مطلع الخمسينات والتي أشرت إليها أعلاه. والتيار الكلاسيكي الواقعي لا يقتصر أبداً على الأدب الجزائري فهو نمط متداول في كل اللُّغات الحيّة لا يحده مكان أو زمان. استحسنت أستاذة الأدب العربي الأسلوب حتى أنها شبهته بأسلوب الأديب الرائد محمد ديب، الذي ذكرناه آنفاً، وأكَّدَتْ أنها تشعر وهي تنتقل بين صفحات الرواية وكأنها تقرأ إحدى روايات الفقيد وهذا فخر لي وشرف عظيم. بعدها، سلَّمتُ الرواية عَينها إلى أستاذة بجامعة ليدز هنا في بريطانيا وهي أستاذة اهتمت بدراسة الرواية الجزائرية ونقدها، لكنها اعترفت بفشلها في الاطلاع على الرواية الجزائرية المكتوبة باللُّغَة الفرنسية بسبب حاجز اللُّغَة. فقد ضاعت منها بذلك فرصة معرفة جزء هام من الأدب الجزائري لا يستهان به، ومن سمات هذا الأدب الأسلوب الكلاسيكي الذي عرف ازدهارا كبيراً إنطلاقاً من مطلع الخمسينيات والذي أحاول الكتابة به. اِستقبحت هذه الأستاذة الشكل وعدّته أسلوبا تقليديا بسيطا لا يصلح في هذا العصر وأعلنت فجأة ولاءها للكاتبة أحلام مستغانمي واستظرفتْ أسلوبها الشعري وأمرتني بالكف عن إزعاج كاتبتها المفضلة وراحت توبّخني لإقدامي على كتابة مقالة نقدية بعنوان 'الأخْطَاءُ اللُّغَوِيَّةُ والألفَاظُ العَاميَّةُ لا تَليقُ بِكِ في رِوَايَةِ الأسْوَد يَليق بِكِ' وهي التي أعانتني من قبل في خفاء على نشر المقالة النقدية في الصحف الخليجية وهي تدرك مضمونها، فأحدثت المقالة ضجة في البلاد العربية. كشَفْتُ في تلك المقالة عن بعض الأخطاء اللُّغَوية التي وقعت فيها رواية أحلام مستغانمي الأخيرة بحكم أنِّي مترجم ولغويّ دون التعرّض، بأي حال من الأحوال، لشخصها وقدمت فيها أدلة وشواهد من المعاجم العربية والقرآن الكريم ودعوت معارضي المقالة للردّ عليها بموضوعية فقد كنت واثقا تماما مما كتبته وعللته بالأدلة والشواهد. لكن، مثلما توقعت تماماً، لم ألق ردا يفنِّد ما ذكرته عن تلك الأخطاء. لم يصلني من هؤلاء، الذين امتهنوا المحاماة دون مؤهلات أو رخصة أو إذن من الكاتبة أحلام مستغانمي، إلا الشَّتم والتوبيخ والإهانة والتهم الباطلة! كل ذلك مسجل على صفحتي بالفايسبوك.
فالناقدة هنا خرجت عن إطار النقد المألوف فمنحت نفسها صلاحيات المصلح والمرشد والمحامي... وتجاهلت حرية الرأي والتعبير بل وحق الكاتب في اختيار الشّكل الذي يراه مناسبا له ولكِتابه فخوّلت نفسها حق التّدخل في شؤونه والضغط عليه، إضافة إلى استخفافها بالأسلوب الكلاسيكي الواقعي الذي سار على دربه الكثير من الأدباء في الجزائر وفي البلاد العربية وخلّفوا لنا منه مؤلفات عظيمة اجتازت امتحان الزمن وهي اليوم من أمهات الكتب في الوطن العربي ولا جدال في ذلك. وحتى كتاب آخرين من أمثال عميد الأدب العربي طه حسين والروائي الواقعي نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل استعملا كلاهما أسلوبا سهلا مماثلا.. ومنذ متى كان من حق الناقد أن يفرض الأسلوب الذي يشتهيه على الكاتب؟! ولِمَ تلومني الأستاذة على مقالتي النقدية وتنهاني عن النقد وهي ناقدة لا ترى مُؤلَّفاً إلا وانتقدته! أراها تنهى عن خلق وتأتي مثله!
فالمثال المتقدم الذكر يشهد على استحواذ الميول والعواطف وحتى المصالح الشخصية والاحتيال على بعض نقادنا ويشير إلى إمكانية تخطِّي بعض النقاد الحدود في غياب الرقابة وإلى إمكانية وقوع القراءات النقدية في فخ الخطأ والإجحاف والجور. فقد ينفق الأديب سنوات طويلة من عمره في إعداد عمل ذي تصوير حيّ لوقائع وتفاصيل يومية واقعية وفق شكل مناسب ارتضاه للتعبير عن أفكاره. ثمّ يأتي بعد ذلك ناقد يهدُّه بأحكامه القائمة على سوابق ظنٍّ وميول شخصيَّة وغير ذلك.. وقد يصدر أحكامه بناء على قراءة بعض الصفحات فقط وليس الكتاب كلّه مثلما كانت ستفعل الأستاذة الناقدة من الجامعة البريطانية ورسائلها دليل على ذلك.
وربما ما يمكنني أن أضيفه في الختام هو ضرورة إجراء القراءات النقدية وفقا لصنف الرواية والتيار الأدبي الذي تندرج فيه وليس مطلقا بمقارنتها مع الأعمال الإبداعية الحديثة التي قد يستفيد بعضها من شهرة الكاتب والضجة الإعلامية وغير ذلك فيشغل بذلك مرتبة أعلى بين المؤلفات، والزمان بلا ريب خير حاكم على أعمالنا.
لا مجال، على سبيل المثال، لمقارنة رواية واقعية كلاسيكية تركِّزُ على المضمون برواية معاصرة شعرية الأسلوب تقوم على الشكل. ولا مجال لمقارنة هذين الصنفين برواية بوليسية على طريقة روايات أغاتا كريستي. فإن أرادنا الإنصاف، نقيّم الرواية الواقعية الكلاسيكية في إطار ما صدر من روايات واقعية كلاسيكية لا ضمن غيرها من الأصناف. لكل رواية بنيتها وأسلوبها ولكل أديب الحق في اختيار ما يراه مناسبا له ولروايته تماما مثلما أكد فريق من النقاد، من قبل، من أمثال الناقد البريطاني بيرسي لوبوك (1879-1965) الذي قال في كتاب "صنعة الرواية" وهو يعدّ من أهم الدراسات النقدية التي تعالج الفن الروائي: "الكاتب الروائي يمتلك كامل الحرية في اختيار الأسلوب الملائم لكل مقطع حكائي " فقد يستعمل المسرحية حينما توفر له هذه المسرحية كل احتياجاته، أو يستخدم الوصف التصويري حينما يتطلب شكل القصة ذلك"...
وفي الختام، أقول إن النقد لن يكون منصفا إلا إذا خضع لجملة من الشروط. فلا بدّ أن يكون النقد عن علم ومعرفة وفي إطار موضوعي وبتقديم أدلة وشواهد لا عن جهل وباطل وعن إدعاءات وتُهَم زائفة. ولا يمكن أن ينظر النقد إلى مضمون النصّ وشكله من غير تأمل السيرة الذاتية للأديب والعوامل النفسية والعاطفية والظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية المختلفة المحيطة به والتيارات الفكرية والأدبية التي قد يتأثر بها الكاتب فتنعكس على ما يؤلفه. ولا بدّ أن يلتزم الناقد مبدأ الحياد وعدم الانحياز لأي تيار أدبي أو كَاتِبٍ مِن الكُتَّابِ، ولا بدّ أن يحترم كل الأصناف الروائية حديثة كانت أو قديمة فلا يستهين بأي منها ولا يستخفّ بمن يتبعها. فكم من موضة ظن المرء أنها ولَّتْ ولن تعود وإذ بها ترجع وتسود. فإن كان الناقد شغوفا بالأعمال الإبداعية المعاصرة، فلا بدّ عليه أن يعلم أن هناك قراء يفضلون أعمالا أخرى ومنها المؤلفات الكلاسيكية، فعلى الناقد احترام أذواقهم واختياراتهم فالمؤلفات موجهة إليهم في آخر الأمر. وخير الأعمال الأدبية هي تلك التي تجتاز إمتحان الزمن وتستحسنها الأجيال المقبلة وتبقى صالحة بعيدا عن أيّة ضجة إعلامية، وهذا ما ينطبق على مؤلفات التيار الواقعي الكلاسيكي الجزائري الذي ذكرناه آنفا. فلا أحد من النقاد ينكر أن الإقبال على مؤلفات مولود فرعون ومولود معمري ومحمد ديب وآخرين مستمر بعد مرور أكثر من نصف قرن على ظهورها بعيدا عن أيّة ضجة إعلامية. أجل، هذا الأدب حيّ قائم وإليه ننتسب، فإن قال قائل إنّ أسلوبهم مات فقد كذب.

مولود بن زادي – المملكة المتحدة
http://www.facebook.com/MouloudBenzadi?ref=ts