هل اللغة العربية في حاجة إلى أحرف جديدة
Wednesday, 29 November 2017
Friday, 24 November 2017
اللغة العربية حروف اللغة الأبجدية هل العربية في حاجة إلى أحرف جديدة
"هَلِ اللّغةُ العَرَبِيَّةُ في حَاجَةٍ إلى أحْرُفٍ جَدِيدَة!"
رابط الصفحة:
http://www.alquds.co.uk/?p=832141
المقالة:
هَلِ اللّغةُ العَرَبِيَّةُ في حَاجَةٍ إلى أحْرُفٍ جَدِيدَة!
الكتابة تعبير خطيّ عن اللغة في شكل رموز وإشارات وحروف، أو كما جاء في تعريف معجم الرائد، "تصوير الكتاب والألفاظ بحروف هجائية". وهي من ابتكارات الفكر البشري. واللغة العربية من اللغات السامية المنحدرة من أسرة اللغات الأفروآسيوية التي تضم ما يناهز 300 لغة. وهي في الواقع أحدثها نشأة، وأوسعها انتشارا، وأكثرها تأثيراً في غيرها حيث ساهمت في إثراء لغات عريقة مثل الفارسية والعبرية والتركية. وتكتب من اليمين إلى اليسار بأبجدية تتألف من 28 حرف، تعالت من حولها أصواتٌ داعية إلى إعادة النظر فيها، وإضافة حروف جديدة إليها.
أودُّ في مستهل هذا البحث أن استعرضَ بعضَ المواقف المساندة لمراجعة الأبجدية العربية. أذكر منها موقف الكاتب الجزائري أمين الزاوي الذي قال في مقالة في صحيفة الشروق الجزائرية عام 2011: "لا أزال أتساءل: ألا تحتاج الأبجدية العربية التي نُدرِّسُها لأطفالنا إلى إعادة النظر وإضافة حروف جديدة بعد أن توسَّعت جغرافيتنا الثقافية والعلمية والتكنولوجية... "
وقد استعرض الزاوي هذه الحروف في قوله: "ينقص الأبجدية العربية مثلا حرف V الذي نستعمله لقول (تليفزيون)، وحرف G لقول Google أو مدينة (ورقلة)، وحرف P لقول Pentium..."
وذهب الدكتور محمد رياض العشيري في هذه المسألة إلى رأي مماثل: "صوت الجيم في العربية من الأصوات غير المستقرة، التي تعرّضت للتغير... كان يُنْطَق مثل الحرف الأخير من كلمة (leg) الإنجليزية. ثم أصبح يُنْطَق مثل الحرفين الأول والأخير في كلمة (judge)... وفي الخليج ظهرت صيغة نطق جديدة حولته إلى ما يشبه الحرف الأول من كلمة (year) الإنكليزية.
ومع انتشار الصحافة وذيوع الطباعة والاحتكاك بالغرب نشأت الحاجة إلى كتابة أسماء أعجمية برموز الحرف العربي... وتولدت مع مرور الزمن أخطاء في نطق أسماء بلدان، مثل (Ghana)، و(Yugoslavia) التي أصبحنا ننطقها بالغين وكأنها كلمات عربية تحتوي على صوت (الغين) العربي القح... ينبغي علينا استخدام خيار اللغة الفارسية... فماذا فعل الفرس عندما تبنوا الحروف العربية لكتابة أصوات لغتهم؟ أضافوا حروفا جديدة إلى الأبجدية... "
إننا إذا تأملنا نشأة اللغات وتطورها أدركنا أنّ اقتراحات إصلاح أنظمة الكتابة وإضافة حروف إلى الأبجديات ليست فكرة جديدة. فهي من المواضيع المستهلكة التي خاض فيها عدد كبير من الكتاب العالميين والعرب عبر العصور. أذكر من جملة ذلك محاولات العالم اللغوي الأمريكي الرائد نوح وبستر (1758-1843) مصنّف معجم وبستر الشهير. وهو من اقترح أن تُكتَب الكلمات مثلما تُنْطَق.
عربياً، أذكرُ مقالة رئيس تحرير ديوان العرب عادل سالم بتاريخ 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2009، بعنوان "نحو تطوير وتحديث اللغة العربية"، قال فيها: "إنني أقترح أن نضيف إلى حروف العربية حرفين هو (G) و(V)، وإدخال رسم جديد لكل منهما يتناسق مع أحرف اللغة القائمة، إنها ليست دعوة لاستبدال حرف الجيم ولكن إضافة حرف(G)"
ما تغافل عنه دعاة الإصلاح هو أنّ افتقار اللغة إلى حروف أخرى ظاهرةٌ عالمية طبيعية تشترك فيها اللغات ولا تقتصر على العربية. فحروف الحاء والطاء والعين والقاف العربية غير موجودة في لغات أخرى مثل الإنكليزية أو الفرنسية، فيضطر أصحابها إلى كتابة الأسماء العربية بأحرف في تلك اللغات تختلف عن الحروف العربية نطقاً، كاستخدام حرف H الذي يُنْطَق مثل (هـ) أو (أ) لكتابة الحاء (البحرين Bahrain)، أو استعمال حرف A الذي يُنْطَق (أ) مكان حرف العين (عنبر Amber)، أو حرف Q الذي يُنْطَق مثل الكاف للتعبير عن القاف (قطر Qatar)... ورغم تردد مثل هذه الاسماء في تلك اللغات، فإننا لا نرى أي اجتهاد لإدخال حروف جديدة للتعبير عنها، حِفظاً للأبجدية الموروثة منذ قرون. ولا نرى أدباءنا الذين يكتبون بتلك اللغات يقترحون على أصحابها إضافة مثل هذه الحروف إلى أبجدياتها.
والمجتمعات الغربية معروفة منذ الماضي البعيد بمقاومتها المساس بأبجدياتها وقواعد كتابتها، وهذا ما يفسّر عدم تغير الأبجدية الإنجليزية لقرون رغم مساعي شخصيات لغوية وسياسية مؤثّرة من أمثال بنجامين فرانكلين (1706-1790) الكاتب والسياسي وأحد مؤسسي الولايات المتحدة الذي رغم اجتهاده فشل في إضافة الحرف اللاتيني Eng . كما فشل إسحاق بيتمان (1813-1897) في إضافة حروف Esh، Ezh Schwa ،
ولعلّ "تجربة وبستر" خير شاهد على صعوبة تغيير قواعد الكتابة. فقد سعى العالم اللغوي الأمريكي الشهير نوح وبستر (1758-1843) لإصلاح الكتابة لتكون مطابقة للنطق. ولم يوفَّق إلا في القليل منها مثل إسقاط حرف U من كلمة colour، أو استبدال Centre بCenter وباءت اقتراحاته الأخرى مثل تعديل كلمة Women لتكون Wimmen بالفشل. ورغم طموحه، فقد "قرر نوح وبستر عدم إضافة حروف جديدة عند تصنيفه معجمه الشهير" مثلما ذكر الكاتب ستيف لوفليس. ولم تخرج تعديلات نوح وبستر عن الولايات المتحدة حيث احتفظت بريطانيا وأمم أخرى ناطقة باللغة الإنكليزية بقواعد الكتابة الموروثة منذ قرون.
ولا يمكننا أن نبرّر إضافة حروف جديدة بالاتساع الجغرافي والاحتكاك بالغرب. فالعرب الذين قادوا أكبر فتوحات في تاريخ البشرية، امتدت من بلاد فارس إلى جنوب غرب أوربا وأعماق القارة السمراء، احتكوا بشعوب وقبائل كثيرة ولم يكن يخفى عليهم اختلاف الألسنة والأبجديات. وخير مثال ربما الأندلس حيث عاش العرب بجوار الاسبان الذين كانوا يستخدمون حروف V و G و P ومع ذلك لم يفكروا في إضافة هذه الحروف لأنهم ببساطة لم يروا ضرورة لذلك. وما العيب في كتابة "غاز" أو "غانا" أو "باريس" أو "تلفزيون" وهي اليوم كلمات معرَّبة مألوفة نكتبها دون تفكير ونقرأها دون إشكال؟ واللغات الأخرى تسعى دوماً لتعديل الأسماء الأجنبية لتنسجم مع قواعدها، وتكتبها بحروف أبجدياتها دون إضافة حروف جديدة لأجلها. فاسم "القاهرة" يتحول إلى Cairo في الإنكليزية ويُنطق حرفه الأول (ك) وليس (ق)، وLecaire في الفرنسية، وKairo في الألمانية، وКаир في الروسية...
وأي منطق في اقتراح محاكاة التجربة الفارسية التي أضافت حروفاً جديدة ونحن نعلم أنّ لكل لغة طبيعتها وخصائصها وعبقريتها؟ فقد أشار الدكتور عبد العزيز فرج عزو في مقالة بعنوان "الفرق بين حروف اللغة الفارسية واللغة العربية" إلى أنه رغم تشابه اللغتين في الكتابة، فإنّ النطق يختلف في بعض الحروف والكلمات. فعلى سبيل المثال، حرف الثاء في الفارسية أقرب إلى حرف السين في العربية، وحرف الطاء إلى حرف التاء، وحرف الواو يُنطَق مثل حرف U في اللاتينية. فالاختلاف بيّنٌ، وما يصلح للغة قد لا يصلح لأخرى وإن اشتركتا في الأصل والأبجدية...
إنّ الاختلاف في نطق بعض الحروف في وطننا العربي كحرف الجيم الذي أشار إليه العشيري لدليل على فشل قاعدة "حرف واحد لصوت واحد" التي استشهد بها. وقد آن الأوان لتقبّل إمكانية وجود "حروف متعدّدة الأصوات" تتيح للجماهير العربية المختلفة والتي لها لهجات متنوّعة إمكانية نطق حرف مثل الجيم بأصوات مختلفة مع التشبث بالحرف الواحد في الكتابة، مما يجنّبنا التفكير في إضافة أحرف جديدة لا تحصى، نحن في غنى عنها. فالاختلاف في نطق الجيم لا يمنع المصري والعراقي والمغربي من كتابته كتابة واحدة مشتركة صحيحة. ولا تقتصر هذه الظاهرة على اللغة العربية. إذ نجدها في لغات أخرى مثل الإنكليزية حيث يختلف نطق بعض الحروف من منطقة إلى أخرى مثل حرف U في كلمة Bus الذي يُنْطَق مفتوحا (بَاسْ) في جنوب إنكلترا ويُرفَع في شمالها (بُوسْ). وتبدو الهوة أوسع بين الإنكليزية البريطانية والإنكليزية الأمريكية مثل كلمة Water التي ينطق فيها البريطاني حرفَ T بينما يلغيه الأمريكي تماماً ومع ذلك لا تتغيّر الحروف التي تُكْتَب بها الكلمة.
وخلاصة القول إنّ اقتراحات إصلاح نظام الكتابة وإضافة حروف ظاهرةٌ عالمية تضرب بجذورها في أعماق التاريخ قادتها شخصيات لها معرفة في اللغة من أمثال نوح وبستر، ونفوذ في السياسة مثل بنجامين فرانكلين، ولم تكلل بإضافة حروف جديدة إلى اللغة الأكثر انتشارا في العالم، الانكليزية، رغم عجز أبجديتها عن التعبير عن العديد من الأصوات باعتراف لغوييها. فلم تتغيّر منذ عام 1755! واللغة العربية الثرية بمفرداتها قادرة على تعريب كل الألفاظ والتعابير الأعجمية دون الحاجة إلى حروف جديدة.
وإنّ ما نحتاجه في وطننا العربي اليوم هو استبدال قاعدة "حرف واحد لصوت واحد" بقاعدة "حرف واحد متعدد الأصوات"، وهو ما أدعو إليه. فحتى إذا اختلف نطقنا لكلمات مثل "جوجل"، "فيكتوريا"، "باناما" ،فإننا نشترك دائما في كتابتها كتابة عربية مشتركة وبحروف عربية، تماماً مثلما يعدّل الإنكليزي والفرنسي أسماءنا العربية لتنسجم مع لغته ويكتبها بأحرف لغته الموروثة. ولسوء الحظ، ينتج عن ذلك أحيانا أخطاء في النطق. وهو ما ينطبق على كل لغات العالم، وليس العربية فحسب.
مولود بن زادي كاتب جزائري بريطانيا
Sunday, 12 November 2017
Wednesday, 8 November 2017
أزمة الهوية واللغة في الجزائر تنذر باندلاع حرب الجزائر الأهلية الثانية
المقالة:
أزمة اللغة والهوية في الجزائر تنذر باندلاع حرب الجزائر الأهلية الثانية؟
■ الهوية من الكلمات المستحدثة التي لا أثر لها في الكتب والمعاجم العربية القديمة. وهي من المفاهيم التي أضيفت إلى اللغة العربية بواسطة الترجمة، مشتقة من الضمير المنفصل «هو» الذي يعود على الذات. والهوية، حسب تعريف المعجم الوسيط، حقيقة الشيء أَو الشخص التي تميزه عَن غيره. وهوية الأمة هي سمات مشتركة أساسية، تحدّد شخصيتها الثقافية والحضارية، وتميزها عن الأمم الأخرى. والمجتمع الجزائري، مثل كثير من المجتمعات في العالم، يتألّف من مجموعات إثنية مختلفة وهويات متنوعة.
والتنوع العرقي والثقافي سلاح ذو حدين: فإن انفتحت الأمم والمجموعات الإثنية على غيرها وتعاملت معها بحسن نية وتفهم واحترام وتسامح، أفضى ذلك إلى المحبة والتعاون والأمن والسلام، مثلما هي الحال في الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، التي استوعبت شعوبا وقبائل من أصول مختلفة. وإن انغلقت على نفسها وتعاملت مع غيرها بِنِيَّةٍ سيئة وازدراء وتعصب، أفضى ذلك إلى فقدان الثقة والتنافر والاضطراب والصراع، مثلما هي الحال في الجزائر التي تشهد صراع هوية ولغة منذ العهد الاستعماري، يقوده الأمازيغ والعرب.
ولحسن حظ المجتمع الجزائري، فقد شاءت الظروف ألاّ يصعد هذا الصراع إلى هرم السلطة نتيجة عدم اهتمام المجموعات العرقية بالسلطة وقلة طموحها السياسي، لا سيما بعد تجربة العشرية السوداء الدامية والمدمرة. فما برح الصراع منحصراً في الحقل السوسيوثقافي.
لكنّ الوضع شهد تصعيدا مع مرّ السنين نتيجة التحول الديمقراطي الذي شهدته البلاد، مستفيداً من مزايا حريات التعبير والرأي والإعلام. وقد أخذ أبعادا خطيرة في السنوات الأخيرة، إذ وقعت صدامات عنيفة بين العرب والأمازيغ في ولاية غرداية في جنوب الجزائر خلّفت ضحايا ودمارا وفرَّقت أسراً جمعتهم الألفة وحسن الجوار لأجيال.
وأخذ الجدل منعطفاً جديداً مؤخراً مع بروز جيل جديد من الكُتاب الفرانكفونيين، يحرِّكهم الطموح إلى ارتقاء منصة النجومية وكسب الجوائز العالمية بقفزة واحدة، من خلال طعن مقومات المجتمع، ومنها لغته الرسمية، على شاكلة بوعلام صنصال وكمال داود الذي خوّل نفسه حقّ التحدث باسم الشعب الجزائري بكل عناصره العرقية قائلاً: «نحن الجزائريون ـ لسنا عربا» تحت تصفيقات الجمهور الفرنسي، وتغطية إعلامه، ومن فرنسا نفسها التي سعت طويلاً للتفريق بين العرب والبربر خلال احتلالها الطويل للجزائر، ولا تتردد اليوم في دعم كل من يستطيع رعاية مصلحتها وحفظ ثقافتها في مستعمرتها السابقة الجزائر.
وها هي اليوم مواقع التواصل الاجتماعي تفتح جبهة جديدة تتدفق من بركانِها حممُ السخط والكراهية والتعصّب العرقي، الذي لا يقل خطورة عن التعصب الديني، تتردد فيه عبارات متعصبي اللغة والهوية من الجانب الأمازيغي: «هذه أرض الأمازيغ، أرجعوا إلى شبه الجزيرة العربية!» على منوال العبارة العنصرية: «أرحل إلى بلدك أيها الأجنبي» التي نسمعها أحيانا في بريطانيا من ذوي العقول الضيقة، ويعاقب عليها القانون البريطاني الصارم في تعامله مع العنصرية.
واليوم ونحن نتأمل هذه الحرب الباردة بين أبناء الوطن الواحد، فإننا لا نجد بدا من التساؤل: إلى متى هذا الصراع؟ وما جدواه؟ ثم، ألا يمكن حلّ مسائل اللغة والهوية بطرق ودية، على أساس تقبل الآخر واحترامه والتعايش معه. وهل ثمة خيار آخر عدا التعايش الذي جمع الأمازيغ والعرب منذ أواخر القرن السابع للميلاد في أرض واحدة هي أرضهم الوحيدة، وليس لهم غيرها.
وفي هذه الأرض التي تعاقَبَ عليها ما لا يحصى من الأمم والحضارات المختلفة، من أمازيغ ورومان وعرب وإسبان وأتراك وغيرهم، ووقع ما وقع من تزاوج واختلاط، سيكون من السذاجة الإيمان بوجود أصول عرقية خالصة والتعصّب لها.
فالعرب ينتسبون إلى قبائل عديدة توافدت على هذه الأرض من بقاع مختلفة أثناء الفتح وبعده، فلا يمكننا أن نحدّد مواطنهم الأصلية بعد كل هذه القرون مثلما لا يمكننا أن نحدد المواطن الأصلية التي قدم منها الأمازيغ للإقامة في شمال إفريقيا.
والأمازيغ ينتمون إلى قبائل متنوعة لها أصولها وهوياتها، ولا يمكننا بأي حال من الأحوال التحدث عن كيان أمازيغي موحّد أو لغة أمازيغية واحدة تستطيع أن تجمع شمل القبائل وتفرض نفسها على غيرها، وإنما مجموعة من اللغات المختلفة. وهذا ما أكده المؤرخ الفرنسي غابرييل كامب بقوله: «في الواقع، لا توجد اليوم لغة بربرية، بالمفهوم الذي تكون فيه انعكاسا لمجموعة تحس بانتماء موحد، ولا شعب بربري ولا عرق بربري».
وما قاله غابرييل وصف دقيق للواقع، فاللغات الأمازيغية كثيرة ومختلفة بحيث يتعذر التواصل بين مختلف الطوائف العرقية الأمازيغية بدون اللجوء إلى الترجمة أو لغة أجنبية. فمن اللغات الأمازيغية:
. القبائلية: وهي منتشرة في منطقة القبائل شمال الجزائر، وتضم مدنا مثل تيزي وزو وبجاية والبويرة.
. الشاوية: منتشرة في شرق البلاد، وتضم مدناً مثل باتنة وسوق هراس وتبسة وقالمة.
. المزابية: منتشرة في منطقة بني مزاب في غرداية في الصحراء.
. التارقية: وهي لغة الطوارق، منتشرة في ولايات إليزي وتمنراست وأدرار في الجنوب.
. الشناوية: وينتشر استعمالها في جبال الشنوة في ولاية تيبازة والشلف.
. الشلحة: منتشرة في ولاية تلمسان والبيض على الحدود الجزائرية المغربية.
. أمازيغية تقارقرانت: منتشرة بالقرب من ورقلة وتقرت في الجنوب.
كثرة هذه الأصول واللغات توحي بأنّ صراع الهوية أكثر تعقيدا مما نتصور. كما تنذر بأنَّ الخلاف لن يقتصر بالضرورة على العرب والأمازيغ، وإنما قد يتسع في أي وقت ليفجّر مواجهات خطيرة بين شتى الفصائل الأمازيغية نفسها التي تختلف في ما بينها هوية ولغة.
فلا مفر إذا من تقبل الآخر واحترام هويته ولغته، والسعي لترتيب هذه اللغات الكثيرة حسب عدد الناطقين بها، وتطويرها، واعتمادها في الدراسة والحياة العامة، وسن قوانين صارمة لمحاربة العنصرية والجهوية والحقد، وزرع بذور المحبة والثقة في قلوب أفراد المجتمع، وتنمية الشعور بالانتماء إلى الوطن الواحد.
فصِراع الانتماءات يؤثر تأثيراً سلبيا في الممارسات السلوكية الفردية، ويثير التوترات والمخاطر داخل الأسرة والمجتمع معا، ويهدد استقرار الوطن وسلامته. وهذا ما يؤكد ضرورة الإسراع إلى احتواء الوضع وجمع هذه الانتماءات في منظومة تسمح بتفاعلها في ما بينها على نحو إيجابي بناء، وفق الاحترام المتبادل، خدمة للمصلحة العامة وحفظا للأمن وحماية لوحدة الوطن. فمصلحة الوطن تسبق مصلحة المجموعات الإثنية، ومصلحة المجتمع تسبق مصلحة الأفراد.
إنّ ما يحدث اليوم بين أبناء الوطن الواحد ينذر حتما باحتمال انفلات الوضع وانفجار حرب عرقية دموية طويلة في أي وقت، ستكون حرب الجزائر الأهلية الثانية، إن لم يتم إخماد المشاعر المتأججة ومحاربة التعصب، وزرع بذور المصالحة والثقة والاحترام المتبادل، وإرساء ثقافة تقبل الآخر واحترام لغة الآخر وثقافته وتراثه والتعايش مع أفراده، والنظر إلى المستقبل المشترك بدلاً من حبس الأنظار في أزمنة غابرة أكل الدهر عليها وشرب، وتضييع الوقت في التساؤل عمَن سبق الآخر إلى هذه الأرض التي يحيا فيها العرب والقبائل معا منذ مئات السنين، فأصبحت منهم وأصبحوا منها، وليس لهم أرض سواها.
لن يستطيع الإنسان أن يغيّر التاريخ. لكنه بالتأكيد يستطيع أن يغيّر سلوكه ليكون أكثر تعقلا وتسامحاً وتقبلاً للآخرين ومراعاةً لمشاعر بشر آخرين يحيون بجواره، شاء القدر أن يختلفوا عنه في الأصل واللغة وخصائص أخرى. ويستطيع أيضًا أن يرسم مستقبلاً آمناً ومزدهراً له ولذريته، بعقله وحكمته.
٭ كاتب جزائري ـ بريطانيا
Friday, 27 October 2017
الباحث اللغوي مولود بن زادي يرد على كمال داود بعد تهجمه على اللُّغة العربية من فرنسا صحيفة الناقد العراقي
الباحث اللغوي مولود بن زادي يرد على كمال داود بعد تهجمه على اللغة العربية من فرنسا
(المقال)
رابط الصفحة:
http://www.alnaked-aliraqi.net/article/47209.php
المقالة:
الباحث اللغوي مولود بن زادي يرد على كمال داود بعد تهجمه على اللغة العربية من فرنسا
ما زال صراعُ اللُّغةِ متَّقداً في الجزائر بين أغلبيةٍ مساندة للغة العربية وأقليةٍ مناصرة للفرانكفونية التي ورثتها البلاد عن العهد الاستعماري الطويل، والتي انحسر وجودها اليوم، حيث بات يقتصر على بعض المدن الكبرى ومنطقة القبائل.
من هؤلاء برز مؤخرا الكاتب الصحفي والروائي كمال داود الذي استطاع خلال فترة وجيزة أن يثير اهتمام الجماهير العربية والعالمية بتصريحاته المعادية للغة العربية والدين والهوية أكثر من الإبداع الأدبي أو الفكري أو البعد الإنساني أو أي اعتبار آخر. وسرعان ما حقّق هذا الرجل الطموح ما فشل فيه غيره وهو الفوز بجائزة غونكور 2015، متفوِّقاً فيها على أفضل أدباء فرنسا والبلدان الفرانكفونية. وإذا به اليوم من الشخصيات التي تتسابق على دعوتها القنوات التلفزيونية الفرنسية، يقصف من منصاتها اللغةَ والهويّة وحتى ثورة التحرير المجيدة والوطن. كانت آخر هذه المنصّات قناة "فرانس 5" في برنامج "المكتبة الكبيرة" حين قال: "العربية ليست لغتنا في المغرب الكبير وإنما هي لغة السلطة ورجال الدين في هذه المنطقة من العالم."
أوّل ما يلفت انتباهنا ونحن نسعى لتبيّن موقف داود من اللغة العربية هو هذا التناقض على منوال لكل مقام مقال. فما يقوله عن العربية في كتاباته باللغة الفرنسية وأمام الإعلام الفرنسي يبدو مختلفاً عمّا يقوله للإعلام العربي والمواطن العربي. فموقفه المعارض للّغة العربية جليٌّ في مؤلفاته الروائية، يلخّصه لنا الطيب آيت حمودة في مقالته في صحيفة عرب تايمز: "استوقفتني بعض الآراء الصادمة التي ذُكرت في رواية كمال داود منها على سبيل المثال قوله: إنّ اللغة العربية مفخخة بالمقدس، وإننا نحن الجزائريين لسنا عربا، وإن اللغة العربية المقدسة جدا لغة ميتة جدا، وإن الاستعمار الأفقي العربي خلق منا مُستعمَرين. إنني جزائري ولغتي هي الجزائرية وليست العربية." وسرعان ما تتحوَّل هذه الألوان القاتمة التي يرسم بها داود اللغة العربية أمام الإعلام الغربي إلى ألوان زاهية في حواراته الموجَّهة إلى الجماهير العربية، حيث يقول: "العربية الفصحى هي لغة تراث عالمي، هي لغة ثقافة وتساؤلات حول العالم. هي لغة طرب وخطابة. على غرار لغات أخرى، هي جزء من أدوات الفرد لفهم العالم ولسرد الوقائع." (القدس العربي: 16 أيلول/سبتمبر 2017)
التناقض لا يتوقّف عند هذا الحد، وإنما يتّخذ صورا وأشكالا متعددة لا تخفى على مَن يدقّق النظر في أقواله وكتاباته. يتجلّى ذلك في حديثه عن "الاستعمار الأفقي العربي" وهو فتح عربي يعود تاريخه إلى أزمنة غابرة (القرن 7 للميلاد) لا يمكن محوه، أقدم من الاستيطان الأوربي في أمريكا الذي صنع أعظم قوة في العالم، الولايات المتحدة، موحّداً شعوبها وقبائلها المختلفة، جامعاً شملها رغم اختلاف أصولها وألسنتها، بلغةٍ واحدة هي لغة الأغلبية المستوطنة الإنكليزية.
وإن كان كمال داود ينتقد ما يسميه "الاستعمار العربي" الذي كسبت منه الجزائر لغةً في منزلة العربية بكلِّ ما تحمله في صدفاتها من كنوز المفردات والمترادفات والاشتقاق والبلاغة، وهي اليوم اللغة الرابعة عالمياً ولسان ما يقارب نصف مليار نسمة، فإنّه يتجاهل الاستعمار الفرنسي القادم من الضفة المقابلة للبحر المتوسط والذي حاربه أجداده، ومن مخلفاته لغته الفرنسية التي ترفض الرحيل عن هذا البلد بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال رغم قلة شعبيتها. وهي اليوم تُؤخّر قدوم اللغة الإنكليزية الأكثر انتشارا عالمياً، التي تبقى تحلّق في سماء الجزائر منتظرة إشارة الهبوط التي سيعطيها إياها جيل من الأجيال القادمة. وستنزل في هذه الأرض يوماً لا محالة.
التناقض يبدو أيضاً في قوله "لغتي هي الجزائرية". فإن كانت كذلك، فلمَ لا يستخدمها في كتابة رواياته؟ ألم يكتب الأديب الهندي الفائز بجائزة نوبل للآداب سنة 1913 روبندرونات طاغور بلغته البنغالية والإنكليزية معاً بدلاً من الإنكليزية وحدها رغم عظمة هذه اللغة العالمية وعميق تأثيرها في العالم الهندي الذي خضع للتاج البريطاني طويلاً؟
يبدو أيضا أنّ كمال داود يسيء فهم كلمة لغة عندما يقول "لغتي هي الجزائرية". فما يتحدّث به الجزائريون ليس لغة وإنما لهجات تختلف من منطقة إلى أخرى وتطغى على بعضها ألفاظ فرنسية، ولا تخضع لقواعد، ولا تصلح للخطابات السياسية، ولا للشعائر الدينية، ولا حتى للكتابات الأدبية. فعن أي لهجة جزائرية يتحدث؟ وما هي خصائصها؟ وبأي أحرف يكتبها؟
ويعتقد كمال داود أن العربية لغة السلطة، مع أنّه لا أحد في المجتمع يشكّ في نزعة السلطة والإدارة إلى استخدام الفرنسية أكثر من العربية وهو شاهد على ذلك.
ويخال العربية لغةَ رجال الدين. واللغة العربية في واقع الأمر لا تقتصر على الإسلام، إذ تشترك فيها عدّة أديان. فأقدم الكتابات العربية وُجِدَ على جدران الكنائس في حلب وحران في سوريا. وقد ساهم المترجمون المسيحيون في نقل الآداب اليونانية إلى العربية. وكتب بالعربية أدباءُ المهجر في القارتين الأمريكيتين أواخر القرن 19 ومطلع القرن 20 وكانوا مسيحيين. دون أن ننسى شخصيات مسيحية مؤثرة في اللغة العربية مثل بطرس البستاني أحد رواد النهضة العربية ومؤلِّف أول موسوعة عربية. كما استخدم اليهود العربية في الحديث والكتابة ومن هؤلاء يهود الأندلس.
ويعتقد كمال داود أن اللغة المقدسة لغة ميتة. والتاريخ يفنّد ذلك. فعلى سبيل المثال، ارتباط العبرية بالكتاب المقدس هو الذي حفظها لقرون طويلة بعد تشتت أهلها وتوقفهم عن التحدث بها، وساهم لاحقاً في بعثها من بعد موتها.
وخلاصة القول إن أفكار كمال داود في موضوع اللغة العربية تبدو في مجملها بسيطة، واهنة، يكتنفها الغموض، كقوله للإعلام الفرنسي: "أنا جزائري ولست عربيا، أنا لا أنتمي إلى العرب، أنا أتكلم الجزائرية وأحوز على جوار سفر جزائري". فكأنَّه لا يفرِّق بين اللغة والانتماء العرقي أو الوطني. وإلا فما علاقة جواز السفر الجزائري باللغة التي يتحدثها ؟ فمواطن الولايات المتحدة يحمل جواز سفر أمريكياً ولغته الإنكليزية. والمواطن الكندي يملك جوازاً كندياً ولغته الفرنسية أو الإنكليزية. ولا يخبرنا داود عن أي "لغة جزائرية" يتحدَّث - وما أكثر اللهجات الجزائرية، وما أوسع أوجه الاختلاف بينها. ولا يفسّر لنا ما يقصده ب"اللغة الجزائرية"، ولا طبيعة هذه اللغة وخصائصها، ونوع الحروف التي ُتكتَب بها، والقواعد التي تضبطها، والأعمال الأدبية التي ألفت بها. ولا يوضِّح لنا لماذا أثِرَ الكتابةَ بالفرنسية بدلاً منها، إن كانت ترقى إلى مقام اللغة وكان فخوراً بها.
إنّ ما يفسّر هذه النظرة السطحية البسيطة هو بلا شك عدم تخصّص داود في اللغة – هذا الحقل الواسع والمعقّد والملغّم والذي يتطلّب الدراسة والبحث والتحليل، والاجتهاد والصبر الطويل.
إنَّ هذه الحملة التي يشنُّها اليوم كمال داود على العربية تحت أنظار العالم العربي المتحسّر والحائر، وتصفيقات الإعلام الفرنسي المرحِّب والمناصر، ما هي إلا شيء من صراع الهوية واللغة في هذا البلد. ولم يضف داود شيئاً يُذكَر. فما يردده منذ سنوات قليلة يتردَّد منذ عشرات السنين على ألسنة فئة قليلة من أفراد المجتمع موالية لفرانكفونية أثبت تعثّرها في الجزائر. إذ رغم حقبة الاستعمار الفرنسي الطويلة، لم تستطع أن تحقق فيها ما حققته في دول أفريقية أخرى مثل مالي والكونغو والسنغال حيث تفوَّقت الفرنسية على اللغات المحلية وصارت لغتها الرسمية. وما فتئت العربية لغةَ الجزائر الرسمية من غير منازع بحكم انتمائها الجغرافي والتاريخي والاجتماعي إلى الوطن العربي إضافة إلى إرادة أبناء هذا الوطن وتشبثهم بلغتهم ورفضهم استبدالها بالفرنسية أو اللهجات العامية.
وإن كانت هذه الكتابات والتصريحات المعادية للغة العربية - التي يلهب نيرانها الإعلام لا سيما الفرنسي - ستثير ضجة وجدلاً لا محالة، فإنّ ذلك لن يؤثّر في اللغة العربية في غياب أفكار عميقة، وأدلة دامغة، وشواهد بينة، وتقارير مقنعة، ولغة أرقام ومنطق لا تقبل الجدل. وحتى وإن توالى عليها القصف، فإنه لن يهز صخرة من صخور قلعتها المحصَّنة، الصامدة منذ قرون في وجه القوات الغازية. وما زالت متينة، شامخة، ترفرف في سمائها رايةُ السيادة، وتسبح في أجوائها روح الأبدية.
مولود بن زادي كاتب جزائري - بريطانيا
#مولود_بنزادي
#أدب_المهجر
#الأدب_الجزائري
#الأدب_العربي
#القدس_العربي
#العربية